النخبة لأعمال المحاماة والخدمات القانونية والتحكيم
عيوب الإرادة (عيوب الرضا) في القانون المدني المصري
-
المحامي الأستاذ / رضا حسن
عيوب الإرادة (عيوب الرضا) في القانون المدني المصري
عيوب الإرادة (عيوب الرضا) في القانون المدني المصري
دراسة تحليلية وفقاً لأحكام القانون المدني رقم 131 لسنة 1948
يقوم البناء القانوني للعقود والتصرفات القانونية على ركيزة أساسية هي تراضي المتعاقدين (الرضا). وقد عبر المشرع المصري عن ذلك في المادة 89 من القانون المدني بقوله: «يتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين، مع مراعاة ما يقرره القانون من أوضاع معينة لانعقاد العقد».غير أن هذه الإرادة قد تشوبها عيوب تخل بسلامتها، مما يجعل التعبير عنها مناقضاً للإرادة الباطنة الحقيقية. ولذلك خصص المشرع أحكاماً خاصة لـعيوب الإرادة في المواد من 120 إلى 128 من القانون المدني رقم 131 لسنة 1948.أهمية الموضوع تكمن أهمية دراسة عيوب الإرادة في حماية إرادة المتعاقد من كل ما يشوبها من عيوب، سواء أكانت ناتجة عن إكراه أو تدليس أو غلط، أو مرتبطة بأهلية المتعاقد. فسلامة الرضا هي التي تضفي الشرعية على التصرف القانوني وتكفل استقرار المعاملات.
أولاً: نطاق الرضا وأركان التعبير عنه
نصت المادة 90/1 على أن:
«التعبير عن الإرادة يكون باللفظ والكتابة وبالإشارة المتداولة عرفاً، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على حقيقة المقصود».كما أجازت المادة 90/2 التعبير الضمني ما لم ينص القانون أو يتفق الطرفان على التعبير الصريح. ومن هذه الأحكام يتضح أن المشرع لم يقصر التعبير عن الإرادة على صورة واحدة، بل أجاز صوراً متعددة (صريحة أو ضمنية) تتناسب مع طبيعة التعامل.
ثانياً: متى ينتج التعبير عن الإرادة أثره؟
حددت المادة 91 قاعدة أساسية وهي:
«ينتج التعبير عن الإرادة أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على عكس ذلك».أما المادة 92 فتنص على أنه إذا مات من صدر عنه التعبير أو فقد أهليته قبل وصوله، فإن ذلك لا يمنع من ترتب الأثر إلا إذا تبين العكس من التعبير أو من طبيعة التعامل.
ثالثاً: العلاقة بين الرضا وعيوب الإرادة
الرضا الصحيح هو الذي يتوافر فيه القصد والاختيار الحر، أي أن يكون المتعاقد مدركاً وواعياً وغير خاضع لأي تأثير خارجي.وقد نظم المشرع عيوب الإرادة على النحو التالي:
-
الإكراه: أشد العيوب تأثيراً، إذ يسلب المتعاقد حريته. جعله المشرع سبباً للإبطال لمصلحة المكره، وأعطى القاضي سلطة تقديرية واسعة (المادة 127).
-
التدليس: يقوم على الخداع الإيجابي أو السكوت العمدي عن واقعة جوهرية (المادة 125).
-
الغلط: أضعف العيوب، ولا يؤثر في العقد إلا إذا كان جوهرياً وتوافرت شروطه (المادتان 120 و121).
رابعاً: التطبيقات القضائية
أكدت محكمة النقض المصرية على أن الرضا الصحيح يتطلب أن يكون المتصرف مميزاً يعقل معنى التصرف ويقصده (الطعن رقم 218 لسنة 35 قضائية، جلسة 15/3/1967).كما استقر قضاؤها على أن تقدير قيام الرضا ومدى سلامته من العيوب مسألة واقع تستقل بها محكمة الموضوع، ما دام قضاؤها مبنياً على أسباب سائغة (الطعن رقم 392 لسنة 24 قضائية، جلسة 16/4/1958).
خامساً: التطبيقات العملية
تعتمد المحاكم في تقدير الرضا على الظروف المحيطة بالتعاقد، وتعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به. ويقع عبء إثبات العكس على من يدعيه. وتستقل محاكم الموضوع بتقدير الأدلة في هذا الشأن دون رقابة من محكمة النقض طالما كان قضاؤها سليماً.
خاتمة
يمثل الرضا الركن الأساسي لانعقاد العقد، وقد حرص المشرع المصري على تنظيمه تنظيماً دقيقاً يراعي كافة صور التعبير عن الإرادة وما قد يعتريها من عيوب. ويظل الرضا الخالي من العيوب الضمانة الحقيقية لصحة التصرفات القانونية واستقرار المعاملات.